تصاعد حوادث العنف ضد المرأة في ليبيا

0 307

مرصد السلام والتنمية للإعلام وحرية الإنسان 

 

خلال المراحل الإنتقالية عقب سقوط الأنظمة وقيام أخرى وفترات ما بعد النزاع والحروب وخاصة الأهلية تظهر مظاهر العنف المسلّط ضد النساء الفئة الأضعف في المجتمع كجزء أساسي من المعايير الإجتماعية التي تحاول اتثبات السيطرة الذكورية في المجتمع. 

ويبرز هذا التشابك بين العنف ومعتقدات الذكورة في الحالة الليبية التي يتربى فيها الطفل على مفهوم التفوق الذكري وفتح الأبواب أمام الأطفال الذكور للتعليم والعمل ومساحة كافية من الحرية والقبول بالأخطاء واحتواءها والتغاضي عنها بينما نجد العكس في أساليب التعامل مع المرأة ورغم تطور حالة الوعي في المجتمع وارتفاع معدل نسبة التعليم للنساء بل تفوقهن على الرجال إلا أن النظرة النمطية المجتمعية في العمق للمرأة لا تزال كما هي.

رغم كلّ المحاولات للحركات النسائية ومنظمات المجتمع المدني الحديثة الولادة والنشأة في ليبيا لتمكين المرأة وتعزيز حضورها في المشهد السياسي والمجتمعي تواجه عراقيل وصعوبات كبيرة لأنها تٌعتبر تحديّا وتهديداً للمنظومة الإستبدادية الذكورية والإقصائية للأخر,وللعنصر النسائي,من هذا المنطلق يمكن استشراف ممارسات العنف الجسدي والرمزي ضد الكثير من النساء في ليبيا وتوقع استمرارية وقوع هذه التجاوزات والجرائم بسبب صعوبة تحقيق العدالة وعرقلة فتح ملفات الإنتهاكات التي يتعرضن لها سواء خلال فترة النزاع أو في الحياة الطبيعية,وتفضيل المجتمع للحل عبر العرف الإجتماعي الذي غالباً ما يقف مع الذكور ضد النساء ويبرر التجاوزات والعنف الجسدي والنفسي,على الحل عبر اللجوء إلى السلطات القضائية. 

ويؤكد هذا الإستنتاج غياب سياسات واضحة للحكومات الليبية والمؤسسات التابعة لها لتمكين المرأة من المشاركة الحقيقية في العملية السياسية واعطاءها فرصة شغل المناصب السيادية والرسمية وتفعيل دورها في عملية التنمية والإصلاح الإجتماعي والإقتصادي والسياسي,إنّ ازدياد نسبة وقوع حوادث العنف الجسدي والنفسي يعبّر في جانب منه عن تضخمّ في تقدير الذات (الإنتماء القبليّ/الجهوي) واستحقار للطرف المقابل وخاصّة الأقلّيّات أو المكونات التي تم معاقبتها بسبب موقفها السياسي من الأحداث,يؤثر سلبا على مبدأ تكافوء الفرص وعلى حضور المرأة الليبية في المشهد الوطني.

إن اعتبارات الفوارق الإجتماعية والثقافية (النسب/حضر/بدو/عرب/بربر…) بين القبائل الليبية تظهر تفاصيلها في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وزادت حدة في فترة ما بعد أحداث ثورة 17فبراير حيث انقسم المجتمع الى مؤيد ومعارض،ونتيجة لعدم وجود تراكمية خبرة وعمل سياسي للكيانات والأحزاب وتربية المجتمع على لون وفكر واحد لم يتعوّد الشعب الليبي على ثقافة الإختلاف وتتجذّر فيه الفوارق الإفتراضية كحقائق حتمية تفرض نفسها على واقع المجتمع الليبي.

في أغلب حالات ما بعد الصراع المسلح والحروب الأهلية تتحوّل الميليشيات المسلحة إلى عصابات إجرامية منظمة قادرة على تقديم الحماية للناس وممتلكاتهم أو للمرافق والمؤسسات الحكومية وتفرض نفسها على المجتمع وضمان استمراريتها من خلال هذه الخدمات وتظهر التحالفات بين الكثير من هذه الميليشيات التي تمارس تجارة المخدرات،وتجارة السلاح،والهجرة غير الشرعية،وتهريب الكحول،والقيام بعمليات الاختطاف وطلب الفدية المالية وغيرها من الجرائم المنظمة مجسّدة سيطرة العنف اليومي للعصابات المنظّمة في ليبيا على الحياة اليوميّة ويؤثّر هذا العنف اليومي على المكونات القبلية والجهوية الضعيفة وعلى المرأة بشكل عام  فتقيد حركتها وحريتها وفرصة ممارسة النشاط العام بحجة حمايتها من المخاطر.

وهناك عامل أخر مضاف على تأزيم الحالة الليبية ولم يعتد عليه المجتمع الليبي انشاء وتأسيس ما سُمي بـ “دار الإفتاء” والتي تصدر فتاوى “غير ملزمة” وبيانات تمس الحرية الشخصية للفرد وخاصة المرأة عبر الإفتاء بمنع سفرها واعاقة حرية حركتها والتقليل من حقها في فرص العمل بمنع مزاولتها للعديد من المهن التي قد تتفوق فيها على الذكور,والعديد من الأجسام غير الشرعية التي فرضت نفسها على المجتمع الليبي بقوة الميلشيات المسلحة وسيطرتهم على مقاليد الحكم كـ “هيئة علماء ليبيا” و “رابطة علماء ليبيا” الخ ووصل الأمر الى اصدار الأحكام والفتاوى الفردية من أشخاص مختلين عقليا ونفسيا واجتماعيا أغلبهم قبع في السجون عشرات السنين أو قدم من كهوف اليمن وأفغانستان ويحاولون فرض عادات تلك المجتمعات على المجتمع الليبي ويحاولون تلبيسها بتعاليم الدين والاسلام فمكانة المرأة في ليبيا وشمال أفريقيا محترمة ومساوية وشريكة في الحياة ليست كموقعها في مجتمعات شبه الجزيرة العربية وبلاد الأفغان.

إن الضعف الأمني والمؤسساتي التي تمر به ليبيا خلال هذه الفترة والوضع السياسي العام المتزاوج بين فساد وفشل الساسة وزعماء مافيا الفساد وقادة الميلشيات سبب رئيسي في اختفاء المرأة وتراجعها خطوة للخلف لعدم وجود قانون يحميها وأدوات للدولة تلاحق وتحاسب بها المتجاوزين وزاد الأمور تعقيداً تعدد الحكومات وتفسخ الشكل العام لمظهر الدولة وفقدانها لسيادتها في مقابل سيطرة الميلشيات والجهويات من وجودها وتأثيرها مرئيا ويجعل الأقلّيّات والأطفال والنّساء في حكم المستضعفين.

إنّ الفترة الانتقاليّة تمتحن قدرة كلّ من الفاعلين في المشهد السياسي والمواطنين على الإلتزام بمباديء التّعايش بين مختلف الشّرائح الاجتماعيّة والاتجاه الكليّ نحو بناء الدولة على مباديء الشراكة في الحكم  وترسيخ ثقافة المواطنة والإنتماء للوطن,ولكنّ المراقب للمشهد الليبي يعلم ويستنتج أن الوضع اللّيبي لم ينضج بعد لذلك ولا تزال الطريق أمامه طويلة ولعل أقصى ما يمكن الطموح إليه الآن إنهاء الإقتتال المسلح والدخول في مشروع المصالحة الوطنية واعتماد مبدأ الحوار في حل الخلافات والنزاعات واقتناع الأطراف كافة أن حكم الفرد أو الجهة انتهى وعلى الجميع الدفع بإشراك كافة المكونات الإجتماعية والثقافية بدون تمييز أو تفضيل أو اقصاء أو تحديد لضمان تماسك عقد المجتمع وعدم شعور نصف المجتمع (المرأة) بأن حقها مهضوم أو الأقليات وتتحرك عجلة التمية إلى الأمام بعد تخلصها من العوائق وما يشدها إلى الوراء.

الخلاصة أنه لا حديث عن بناء دولة متكاملة المؤسسات فاعلة تتحرك في كل الاتجاهات بدون تمكين المرأة من أداء دورها ورسالتها بشكل كامل كحق أصيل لا منحة وهبة يتم التصدق بها عليها عبر السماح لها بهذا الأمر بعد أن كان محرما وممنوعا وسيتم مناقشة الأمر الأخر لاحقا لأن المرحلة الآن لا تحتمل ذلك فهذا كله عبث وتسويف واضاعة للوقت والفرصة وهو ما لا نمتلكه فقد غادر القطار.

تعليقات
Loading...