ليبيا: الإعلام…قبل وبعد!!

0 435

مرصد السلام والتنمية للاعلام وحرية الانسان 

إن تاريخ ومسيرة وتطور الإعلام في ليبيا يؤرخ له مرحلتان وتجاوزنا فترة النظام الملكي باعتبار محدودية وسائل التواصل والإتصال حينها ولم تعش طفرة التطور التكنولوجي وتستحق دراسة خاصة منفصلة عن البحث الحالي:

-المرحلة الأولى: في زمن الحكم الشمولي لنظام القدافي حيث كان الإعلام موجه وأداة من أدوات الدولة والنظام لتوجيه المجتمع في الإتجاهات التي تخدم استمراريته في الحكم ولا توجد حرية اعلامية أو وسائل اعلام خاصة إلا بشكل متفق عليه مع السلطات الحاكمة وبهامش محدود كـ تجربة صحيفة “قورينا” وصحيفة “اويا” وقناة “الليبية”ولم تتحمله السلطات وأغلقت هذه المنابر واعتقلت عدد من الإعلاميين العاملين بها وتدخل سيق القدافي لإطلاق سراحهم باعتبار أن هذه الوسائل محسوبة عليه وتتبع مشروعه الذي أسماه “ليبيا الغد”وقد كان القانون الليبي يجرم المساس بقائد الثورة وبالنظام الجماهيري وبكل ما يتعلق بالمنظومة الحاكمة وتصل الأحكام من 3سنوات الى 15سنة عقوبة لمن ارتكب مثل هذا العمل رغم مخالفته لإلتزامات ليبيا الدولية في احترامها لحرية الإنسان.

-المرحلة الثانية: ما بعد الربيع العربي وثورة 17فبراير في ليبيا شهدت ليبيا انفتاحاً كبيراً جداً وصدرت مئات من المطبوعات اليومية والأسبوعية والشهرية بمختلف الإتجاهات والتوجهات مدفوعة بحماسة الإنتصار والثورة ومتعطشة للكتابة والكلمة,ما لبث تدريجيا أن خفت واختفت وتناقص عددها فصناعة الاعلام شيء والنشاط الاعلامي شيء أخر,وتسيير شؤون الدولة ليس كالعمل على اسقاط نظام ومعارضته وتغولت الميلشيات المسلحة وأعلنت معركتها مع وسائل الإعلام والإعلاميين الذين ينشرون أخبار لا تناسبهم أو تتعرض لهم,وراجت وترسخت وسائل الإعلام الحزبية والتابعة للتنظيمات الراديكالية خاصة عبر وسائل التواصل الإجتماعي تفتقد في غالبها الى المهنية الإعلامية وضوابط حرفية العمل الاعلامي وتحولت الى منابر لبث خطاب الكراهية وتخوين المخالفين والتشهير بهم والتحريض على العنف.

انقسم واقتسم المشهد السياسي الليبي طيلة أعوام 2012م-2013-2014 جسمين سياسيين (تتبعهم ميلشيات وتشكيلات عسكرية) هما تحالف القوى الوطنية ويمثل الاتجاه الوطني الليبرالي وتتبعه دراع عسكرية (لواء القعقاع – لواء الصواعق) ودراع اعلامية (قناة العاصمة – قناة ليبيا الدولية )ومئات المواقع الإلكترونية وبرزت منه زعامات وشخصيات سياسية في الواجهة (محمود جبريل – جمعة الأسطى – عبدالمجيد مليقطة) وحزب العدالة والبناء ويمثل اتجاه الإسلام السياسي “الإخوان المسلمين” وتتبعه ذراع عسكرية (قوات درع ليبيا – كتائب الثوار) ودراع اعلامية ( قناة ليبيا الأحرار – قناة فبراير ) ومئات المواقع الإلكترونية وأهمها موقع (عين ليبيا الإخباري) وبرزت منه وجوه وشخصيات سياسية في الواجهة (محمد صوان- علي الصلابي- نزار كعوان) وكافة التشكيلات المسلحة تدعي تبعيتها إلى جهات ومؤسسات رسمية كرئاسة الأركان ووزارة الدفاع والداخلية ولكن في حقيقة الأمر هذا غير صحيح وتبعيتها لقادتها ومناطقهم وحسب التحالفات والمصالح.

حاول تنظيم جماعة الإخوان المسلمين الليبية القيام بإنقلاب على الحكم ورفض نتائج الإنتخابات البرلمانية وأعلن قيام عملية “فجر ليبيا” وسيطر على العاصمة طرابلس وتمكن من اخراج التشكيلات المسلحة التابعة لتحالف القوى الوطنية وقام بتشكيل حكومة (غير معترف بها دوليا) اسماها حكومة الانقاد الوطني ترأسها عمر الحاسي (عضو سابق في الجماعة الليبية المقاتلة) وأقيل وترأسها خليفة الغويل,وبعد انطلاق عملية الكرامة شرق ليبيا تحالفت تشكيلات تحالف القوى الوطنية التي تمركزت في مدينة الزنتان مع عملية الكرامة رغم اختلاف التوجه والأفكار لكن اتفقا من أجل مواجهة الخصم الذي كان يخطط للتوسع والتمدد أكثر في كل الإتجاهات.

انقسم معسكر ثورة فبراير إلى معسكرين متناحرين هما “الكرامة” وتمثل المؤسسة العسكرية ومن يدعمها من التيار الوطني ولاحقا انضمت لهم الجماعة السلفية المدخلية و “فجر ليبيا” وتمثل الإسلام السياسي بكافة أطيافه ومن تحالف معهم من ثوار فبراير ,ويخوض الفريقان معارك عسكرية واعلامية طاحنة ارتكبت فيها المخالفات والتجاوزات من الطرفين كنقل عمليات استجواب لمتهمين على الهواء مثل التسجيلات التي تبثها قوات الردع الخاصة من العاصمة طرابلس عبر موقعها الرسمي على شبكة التواصل الإجتماعي فيسبوك, أو عبر البرامج الأسبوعية التي تعرضها قناة الحدث (التابعة للكرامة)والتي تعرض شهادات واعترافات المعتقلين -رغم أن القوانين الدولية تجرم عرض المتهمين عبر الإعلام- ويقوم بتقديم هذا البرنامج الأسبوعي أحد الصحفيين (خليفة العبيدي) والذي يقدم نفسه على أنه مراسل حربي،وقد وثقت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بعض هذه الحلقات وخصوصاُ أنها عرضت اعترافات بعض الأشخاص الذين هم تحت السن القانونية,كما أن بعض المتهمين الذين ظهروا في حلقات بُثت فيها اعترافاتهم تمت تصفيتهم ووجدت جثثهم وقد ألقيت في مكبات القمامة وعلى قارعة الطرقات بما عرف في بنغازي بـ “شارع الزيت”.

*المكافأة بدل العقاب:

حرصت كافة الأطراف المتصارعة في الحرب الأهلية الليبية على استقطاب الأقلام والأصوات وتقديم عروض العمل والمغريات للتحشيد للمعركة ووفرت لهم الحماية وكانت برامج التوك شو هي معول الهدم الأساسي الذي تستخدمه هذه الأطراف فتيار فجر ليبيا استخدم على سبيل المثال المذيع”ناظم الطياري” في برنامج “مساء الرسمية” عبر قناة الرسمية وبرنامج “أخر كلام” عبر قناة فبراير وقد تمت ترقيته ومكافأته واصدار قرار له وكيلا لوزارة الاعلام في حكومة الإنقاد الوطني والإعلامي”محمود الورفلي” في برنامج “بالليبي” عبر قناة فبراير وتم ايفاده للخارج على حساب الدولة وكلا القناتين من المفترض تنفق عليهما الحكومة الليبية وتدفع من خزينة الشعب الليبي,ومعسكر الكرامة عبر المسرحي “محمد امطلل” وبرنامجه  “ليبيا الدار” عبر قناة ليبيا الإخبارية والتي من المفترض أيضا أنها تتبع الحكومة الليبية المؤقتة ورغم الخطاب الجهوي التحريضي الذي يمارسه بشكل معلن إلا أنه يكافأ اجتماعيا ويعتبر بطل وطني ورسميا عبر المكآفات والمنح المالية والإعلامي “أحمد المقصبي” في برنامج “أراء” عبر قناة الحدث والتي تتبع القيادة العامة للجيش والأمثلة والشواهد كثيرة جداً.

*الإعلام المعارض:

حاول النظام الجماهيري “البديع” بعد سقوطه من الواقع إلى كتب التاريخ والماضي وانتقاله خلف أسوار كان,الإستمرار في وجوده ولو عبر العالم الإفتراضي فأعاد اطلاق عدة قنوات فضائية أبرزها قناة “الخضراء” يعمل بها مجموعة من الهواة وتقدم العديد من البرامج أمثال “حمزة التهامي” وبرنامجه “نداء ليبيا و “باسم الصول” وبرنامجه “التحام الجماهير” يمارسون دورا تحريضياً على العنف والكراهية والتشويش ويعملون بكل جهد على زعزعة الإستقرار والسلم الإجتماعي,وعمل عبر صفحات التواصل الإجتماعي ونجح في خلط الأوراق وضرب خصومه في بعضهم واذكاء مزيد من الفرقة والخلافات فيما بينهم وتسلل عبر منظومة الكرامة ليعود من جديد للمناصب التي خرج منها خاصة في شرق وجنوب ليبيا.

*الخلاصة:

إن أحداث ثورة فبراير خلقت ثورة في المشهد الاعلامي ودخل على المهنة عدد كبير من الهواة وقناصين الفرص مع غياب لقانون تنظيم العمل الإعلامي وضعف مؤسسة القضاء مقابل سطوة الميلشيات والسلاح وعدم وجود استقرار في المسميات الحكومية لإدارة الملف الإعلامي “هيئة الإعلام والثقافة” و “هيئة الإعلام” و “وزارة الإعلام” حالة عدم الاستقرار ووضع برنامج واضح محدد المعالم ووقت التنفيد واعطاء الزمن والامكانيات الكافية لتنفيده ولعله عن عمد جعلا المشهد الاعلامي في ليبيا ساحة قتال وسيطرت الشخصيات الساسية والمال السياسي على غرف أخبار العديد من القنوات الإعلامية وجعلوها منابر لتمجيد حلفاءهم ومهاجمة خصومهم مستخدمين مبدأ الغاية تبرر الوسيلة وبمختلف الوسائل غير الأخلاقية وانتشر خطاب الكراهية والتحريض والعنف على حساب اعلام المصلحة الوطنية العليا والتنوع والتعدد.


#فريق_البحث_الاعلامي_بالمرصد

تعليقات
Loading...